الياس شوفاني

404

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

الترتيبات الجديدة ، ووضع فلسطين تحت الانتداب لتهيئتها كي تصبح « وطنا قوميا يهوديا » ، وبالسرعة القصوى ، فقد أصبح الأمر أكثر إلحاحا . ومع اندلاع المقاومة العربية العنيفة للمشروع الصهيوني ، توفرت الذريعة لدى قادة العمل الصهيوني لتشكيل منظمات مسلحة بحجة الدفاع عن المستوطنين ، وسكتت إدارة الانتداب عن ذلك ، بل شجعته ورعته أحيانا . غير أن ضعف الاستيطان الصهيوني أثار جدلا داخله بشأن جدوى تشكيل منظمات مسلحة ، أخذا في الاعتبار انعكاسات ذلك على مسار الصراع ، وقدرة المستوطنين على الصمود في الاختبار . فكان هناك من أيّد الفكرة بحماسة ، ولكن في المقابل ، كان هناك من تحفظ عليها ، ودعا إلى ترك مسألة أمن المستوطنين في أيدي سلطات الانتداب . لكن دعاة تشكيل المنظمات المسلحة كسبوا المعركة ، متذرعين بأعمال المقاومة العربية للنشاط الاستيطاني ، سواء إزاء التيار الصهيوني المعارض لتولي مسؤولية الأمن ، أو تجاه سلطات الانتداب ، التي لم تكن ترحب بالفكرة بوجه عام . وبعد تصفية المستعمرات في شمالي « إصبع الجليل » ( 1920 م ) ، قدم حاكم الجليل العسكري ، كوكس ، أسلحة للمستوطنين لمواجهة المقاومة العربية المتصاعدة ، وجند الكثيرين منهم في « الشرطة الخاصة » ، كما سمح لمجموعات « هشومير » بالتجول بسلاحها ، تحت حجة حماية المستعمرات . وكذلك ، أدّت الصدامات العنيفة في القدس ( 1920 م ) إلى تعزيز موقف المتطرفين من قادة العمل الصهيوني ، مثل زئيف جابوتنسكي وبنحاس روتنبرغ ، للمطالبة بتشكيل مجموعات مسلحة علنية ، بموافقة سلطات الانتداب ، التي لم تستجب لذلك في البداية . ومع أن السلطات البريطانية في فلسطين لم توافق رسميا على تشكيل تلك المجموعات المسلحة ، إلّا إنها تشكلت ، بصورة أو بأخرى ، في مناطق متعددة : القدس وتل أبيب والجليل . ولأسباب ذاتية - ضعف الاستيطان والتباين في وجهات النظر بين قيادته - وأخرى موضوعية - معارضة السلطات البريطانية والمقاومة العربية - فقد ظلت هذه المجموعات تعمل على انفراد ، ومن دون قيادة موحدة . غير أن حزب أحدوت هعفودا ، الذي تأسس سنة 1919 م ، كحزب عمالي ، وسيطر على الهستدروت بعد تأسيسه ، تبنى في مؤتمره ( 13 - 15 حزيران / يونيو 1920 م ) قرارا بتشكيل منظمة قطرية للدفاع - هاغاناه . فحلت محل منظمة هشومير ، في إطار الهستدروت ، وأخذت على عاتقها تشكيل منظمة عسكرية سرّية ، تعمل على تأمين منجزات المشروع الصهيوني عن طريق تحويل فلسطين إلى « وطن قومي يهودي » .